عبد الملك الجويني

169

الشامل في أصول الدين

المقصودة من التوحيد بعبارات وجيزة مقرّبة ما يتوقع فيه الاستبهام من الأفهام ، وإنما على الحاد أن يذكر عبارة مفهومة دالة على غرضه في الحد ، وهذا المعنى متحقق في قولنا : الواحد هو الشيء . والمحافظة في حدود الكلام على المعاني أولى من تتبع اللغات . ولو عرضت اصطلاحات المتكلم على اللغات ، لما كانت تفهم إلا بتقريب . ومما وجهه على نفسه أن قال : العرب تسمي الإنسان واحدا ؛ وإن كان متركبا من أشياء . فاستبان أن الاتحاد لا يتلقى من الشيئية . وهذا واضح الاندفاع ، فإن أهل اللسان من حيث تجوزوا سموا الشخص إنسانا واحدا ، فيجوزون فيسمون شيئا واحدا ، وإن رد الأمر معهم إلى التحقيق ، وقرر لهم انقسام الإنسان وتجزئه ، قالوا : هو أشياء وآحاد موجودات ، فاستبان بذلك اندفاع السؤال . والذي ذكره القاضي في إيثار ما آثره سديد ، وما اعترض به على ما سبق من العبارات يمكن دفعه ، وذلك أن أهل التحقيق قالوا : إنما يمتنع تركيب الحد من وصفين يتقرر في المعقول ثبوت أحدهما دون الثاني . فأما إذا انطوى الحد على التعرض لمعنيين متلازمين لا يقل ثبوت أحدهما دون الثاني ، فلا منع في التحديد على هذا الوجه . والقول في ذلك يستقصي في العلل إن شاء اللّه . فقد خرج من مضمون ما قلناه : إن الشيء الذي انتفى عنه الانقسام هو الذي يقال فيه إنه واحد ، وكونه شيئا مع انتفاء الانقسام عنه ملازمان ، وهذا نحو تحديد المثلين : إنهما الشيئان أو الغيران اللذان يسد أحدهما مسد الآخر ، فلم يقدح في الحد التعرض للشيئية والغيرية مع التعرض لسد أحد الشيئين مسد الآخر . ولا معنى لبسط القول في ذلك ، فإنه مما يأتي إن شاء اللّه . وقد ذكر القاضي طريقة أخرى ، ووافقه عليها الأستاذ أبو بكر ، وذلك أنهما قالا : إذا سئلنا عن الواحد ، قلنا للسائل : هذه الصيغة التي صدرت منك مترددة بين معان . فقد يطلق الواحد ويراد به الشيء الذي لا ينقسم وجوده ، كما قلناه . وقد يطلق والمراد به نفي النظائر والأشكال عن الموصوف بالاتحاد ، فيقال : فلان واحد عصره ، والمراد بذلك انفراده بصفات لا يشارك فيها . وقد يطلق الواحد ويراد أنه لا ملجأ ولا ملاذ بسواه . وهذه المعاني الثلاثة تتحقق في صفة الإله ، فهو المتحد في ذاته المتقدس عن الانقسام والتجزي ، وهو الواحد عن أنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، وهو الواحد على أنه الملجأ في دفع الضرّ والبلوى ، ولا ملجأ سواه ، ولا ملاذ في انتفاء النفع وروم دفع الضر إلا إياه ، ولا يستقيم اعتقاد الوحدانية لمن حرم ركنا من هذه الأركان الثلاثة . فأما نفي التشبيه فقد قدمنا فيه صدرا من الكلام ، وسنذكر تفصيل القول فيه عند إقامة الدلالة على نفي التجسيم . وأما تفويض الأمور إلى اللّه على التحقيق ، فلا يستقيم إلا مع القول بأنه لا خالق إلا اللّه ، ومع المصير إلى أن